“المأذون الشرعي” عبد الفتاح السيسي!

سليم عزوز:

عندما تستمع إلى عبد الفتاح السيسي يتحدث عن تقنين الطلاق؛ فلا يقع إلا أمام المأذون، فأعلم أن ما جادت به قريحته هو نتاج للثقافة السمعية أو الشفاهية، فمنذ أن حرص على أن يقوم بدور المفكر، وأنا مدرك تماما للحالة الثقافية التي يمثلها!

كلام كثير يقوله عبد الفتاح السيسي على أنه يمثل اجتهادا منه، مثل الدعوة لتطوير الخطاب الديني، أعلم مصدره، ويقولون إن البحث الذي تقدم به إبان دراسته في الولايات المتحدة الأمريكية، كان اعتمادا على هذا المصدر، لكن تكمن الأزمة في أنه لا يقرأ ليكون وجهة نظر مكتملة، تحتمل النقاش حولها، لكنه يسمع بذهن مشوه، فيكون إنتاجه المرتبك يثير السخرية، ويتحول بما قال إلى منتج للمادة الخام من الفكاهة!

المصدر، هو الدكتور أحمد صبحي منصور، الذي تعرفت عليه في مصر قبل ربع قرن، وبعد الزج به إلى السجن بتهمة إنكار السنة، وقبل أن يؤسس جماعة القرآنيين ويهاجر للولايات المتحدة الأمريكية، وهو أستاذ سابق في جامعة الأزهر، ومفكر من الوزن الثقيل، ويعتمد كثير من الطحالب في مصر على إنتاجه الفكري، ولأنهم يفتقدون القدرات الخاصة المطلوبة في المفكر، فإنهم يتحولون إلى بغبغاء عقله في أذنيه، ويعجزهم الفهم فيكون اللجوء إلى البلطجة.. انظر إلى كتابات فاطمة ناعوت، ومداخلات إسلام البحيري، لتقف بنفسك على ما ينتجه العقل العاجز عن الفهم!

فالكلام عن الإمام البخاري مثلا متخذ منه، لكن شتان بين عالم ومتطفل؛ فهم أخذوا العناوين، واندفعوا بها ليقدموا خطابا استفزازيا ومتهافتا، فلا توجد لهم بضاعة سوى محاولة الإثارة وجذب الانتباه!
لا أعرف من ينقل هذه الأفكار إلى ذهن السيسي المشوه، فيكون التعبير عنها بالشكل الذي نراه، ولم يكن آخر هذا ما قاله عن الطلاق!

ليس عندي كلام أقوله في الرد على سعي السيسي بمنع وقوع الطلاق فلا يقع إلا أمام “المأذون” الذي يقوم بعقد الزواج، ويتولى رسميا إثبات الطلاق، فقديما قرأت آراء في الفقه الإسلامي ترى أن الطلاق لا يقع إلا أمام شهود، ولست بصدد مناقشة هذه الآراء الفقهية التي تقع ضمن اختصاص أهل الفقه، فكل العلوم الدينية يمكن التطفل عليها من قبل الهواة والمغامرين إلا الفقه، وقد يكون السيسي سمع عن هذه الآراء، فجاء ليوظفها بعيدا عن سياقها، وهذا من عيوب الثقافة السمعية!

لقد تكلم السيسي عن تزايد حالات الطلاق في الآونة الأخيرة، فوجد أن علاج هذا لا يكون إلا بتشريع يمنع الطلاق إلا أمام “المأذون”، وهو كلام يصلح عند النظر في نوع من الطلاق لا يمثل ظاهرة، وهو الطلاق بعد الطلقة الثالثة، وهو ما يستدعي أن يتعرض له الفقهاء بما يلزم من الوعي، وإعادة النظر في كلام بعض الفقهاء الذين قالوا بأن الطلاق لا يقع إلا أمام شهود، وللإمام أبي حنيفة فهم خاص في تفسير معنى الغضب، فإذا كان الإجماع يكاد ينعقد على أن طلاق الغاضب لا يقع، فقد توسع هو في تعريف الغاضب، فكل ما يندم الإنسان على فعله بعد أن يهدأ فهو وليد حالة غضب، لا يقع خلالها الطلاق شرعا!

بيد أن تزايد حالات الطلاق في مصر، ليس له علاقة بتعريف الغاضب، فالطلاق يتم مع سبق الإصرار والترصد، وله أسباب عدة، لعل أبرزها الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تسببت في هذه الظاهرة، وهي بسبب فشل السيسي نفسه، والحد منها يكون برحيله، وليس بتقنين الزواج فلا يقع إلا أمام المأذون، وفي تونس، فإن القانون ينص على أن الطلاق لا يقع إلا أمام القاضي، ومع ذلك فالطلاق في السنة الأولى من الزواج في تزايد مستمر، فتعقيد الإجراءات لا يحد منه، وقد احتلت تونس في العام الماضي المرتبة الأولى عربيا من حيث نسب الطلاق.

وثقافة السيسي السماعية، ستعود بنا إلى المربع رقم صفر، فقد لجأ المشرع إلى منح المرأة حق الخلع، وذلك بعد أن تحولت الرغبة في الطلاق إلى عذاب، فالطلاق للضرر يحتاج إلى سنوات للحكم به، فعلى المرأة أن تثبت الضرر، وقد تلجأ إلى حيل مختلفة منها شهود الزور، فمن يعرف ما يدور بداخل البيوت ليثبت استحالة العشرة بين الزوجين لوقوع أضرار على الزوجة.

ولم يحد الخلع من الطلاق، رغم أنه يستدعي إجراءات أكثر تعقيدا، من دعوة السيسي لتقنين الطلاق فلا يقع إلا أمام “المأذون”، فدعاوى الخلع تستدعي الاستعانة بمحام، والخضوع لجلسات النصح التي تخصصها المحاكم، ومع هذا تتزايد أعداد المتقدمات بطلبات الخلع من أزواجهن، حتى وإن كانت ستخرج من المولد بلا حمص، وفقا لقاعدة: ردي عليه حديقته. وتقول الإحصاءات إن أكثر من 250 ألف حالة خلع تنظرها محاكم الأسرة في مصر.

المربع رقم صفر، سيكون بمنح الطرف الأقوى في معادلة الزواج سلطة التنكيل بالآخر، عندما يرفض الذهاب للمأذون لإثبات وقوع الطلاق، وهنا يمكنه التنكيل بالزوجة بتركها كالمعلقة ليست متزوجة وليست مطلقة!

إنها أزمة شخص لا يذاكر دروسه جيدا، ويفتقد القدرة على القراءة والفهم، نظرا لأنه يهرب من مسؤولياته إلى ساحات أخرى، فهو لديه رغبة في أن يمارس كل الأعمال بما فيها توليد الحامل، وعلاج مرضى الإيدز بالكفتة، حتى لا ينشغل بمهنته كرئيس، لاحظ أن هذه الدعوة أطلقها في الاحتفال بعيد الشرطة!

إن العقل المشوه لا يخرج إلا نكدا.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هزيمة مؤقتة

محمد عبدالقدوس الأوضاع في بلادي بعد تسع سنوات من ثورتنا المجيدة تدخل في دنيا العجائب.. ...