محمود عبد الحليم .. نموذج القيادة والجندية

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%85إن الشجرة الطيبة التي غرسها الإمام الشهيد حسن البنا منذ عام 1928م، ورواها بدمه هو والشهداء من قبله ومن بعده، تعمَّقت جذورها، وامتدت فروعها، واستعصت على أعداء الله أن يقتلعوها رغم محاولاتهم الشرسة المتتالية.

ولقد كان الأستاذ محمود عبد الحليم أحدَ هذه الفروع التي آتت ثمارًا طيبةً طاهرةً، وتركت بصمات وسط الإخوان ووسط المجتمع.

بداية المسيرة

في أسرةٍ فهمت الإسلام فهمًا صحيحًا، وطبَّقته تطبيقًا عمليًّا، نشأ هذا الجندي القائد، فقد كان جده أحد العلماء الذين حفظوا كتاب الله، وربَّى عليه أبناءه وأحفاده، كما أن أباه وأعمامه تغمَّدوه برعايتهم، وأعطوه أفضل ما عندهم، فقد كان عماه مثالاً لمقاومة الظلم والاستبداد، كما كانا لا يعيشان لأنفسهما، بل كانا يعيشان لمجتمعهما، فنال احترام وتوقير الشعب الرشيدي.

وليس ذلك فحسب، بل كان للبيئة الطيبة التي نشأ فيها أثر عظيم في تنشئته هذه التنشئة؛ فقد ولد في مدينة رشيد في 191720/9/م، والتي كان جده قد هاجر إليها، وهي مدينةٌ معروفةٌ بكفاحها وجهاد أهلها وعظمة بأسهم؛ فقد أنزلت بالفرنسيين والإنجليز الهزائم المتتالية، وصمدت فكانت مثالاً للصمود الحر الذي يأبى أهلُها الذلَّ والخضوع.

إنه الأستاذ محمود محمد عبد الحليم حسن، الذي أصبح من أوائل أعضاء الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين.

كان لعميه دورٌ في تربيته تربيةَ الرجال؛ فقد تعلَّق بهما أكثر من تعلُّقه بوالديه؛ حيث لمس فيهما كل صفات الرجولة والقيادة والتفاني، فكان تلميذًا نجيبًا لهما.

عشق القرآن منذ صغره، غير أنه لم ترُق له الكتاتيب، فعمل على القراءة والحفظ وحده رغم إدراكه للأخطاء التي يخطؤها، غير أنه كان منشرح الصدر لهذه الطريقة، حتى استطاع أن يوقن التلاوة على مشارف المرحلة الثانوية، والتي أجاد فيها التلاوة والتجويد.

التحق بمدارس رشيد الابتدائية، وتخرَّج فيها، ولم يكن في المجتمع الرشيدي مدارس ثانوية، فاضْطُرَّ إلى أن يحمل متعلقاته، ويتَّجه نحو الإسكندرية ليكمل تعليمه في مدرسة العباسية الثانوية نظام (داخلي) عام 1929م، فكانت مرحلةَ إعدادٍ لشخصيته؛ حيث تعلَّم كيفية الاعتماد على النفس ومواجهة الحياة بكل شئونها، فتشكَّلت شخصيته على هذا النحو، وانفتحت قريحته على أصناف من البشر، وطوائف مختلفة داخل المدرسة، وازدادت معرفته بالناس، وتعرَّف على أصدقاء جدد، كان أهمّهم في حياته في هذه الفترة هو محمد جمال الدين نوح، والتي توثَّقت به علاقته كما توثَّقت بين العائلتين العلاقة؛ حيث كان والده زميلاً لوالد محمد نوح في العمل.

اط؛ حيث كانت المدرسة مبنيةً على النظام في كل شئونها، كما هيَّأت له فرصةً للاطلاع والقراءة في شتى الكتب الدينية والعلمية، وقد ساعده على ذلك الأستاذ عفيفي (مدرس المواد الاجتماعية) والشيخ محمد علي أمين (فراش المدرسة) والذي كان يمتلك من مقوِّمات الشخصية الكثير، كما أنه كان عضوًا في جمعية أنصار السنة المحمدية بالإسكندرية؛ ولذا أصبح بعلمه هذا رجلَ دعوةٍ يقصده كلُّ من أراد شيئًا في الأمور الدينية، فحظي باحترام الجميع حتى ناظر المدرسة الأستاذ عبد الرحمن شكري الشاعر الإسلامي الكبير.

في هذا المرحلة عشق العمل لدعوة الله- بالرغم من كونه لم يكن قد تعرَّف على الإخوان بعد- لكنه عمل وكوَّن في رشيد جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشطت هذه الجمعية في المجتمع الرشيدي حتى كان لها دورٌ مهمٌّ في توجيه الناس إلى الأمور الصحيحة، غير أنها تغيَّر اسمها إلى جمعية الشبان المسلمين، وزاد عددها وتغيَّرت لدى كثيرٍ من أعضائها المعايير، فدبَّ الخلاف بينهم، فرأى محمود عبد الحليم أن ينفصل عنها لتغير أهدافها.

مال إلى حزب الوفد بحكم شعبيته؛ لعله يجد فيه ما يشبع غريزته للعمل الإسلامي، غير أنه بعد أن التحق بالجامعة تغيَّرت وجهة نظرة؛ لما رأى من انتهاكاتٍ داخل الوفد!!.

تقابل بالشيخ طنطاوي جوهري؛ حيث كان معلمًا في مدارس الإسكندرية، وسمع منه تفسيره الشهير “الجواهر”، ورأى فيه عالمًا قديرًا جمع بين الدين والعلوم الطبيعية، وفسَّر القرآن بالظواهر الطبيعية، فما كان منه إلا أن عشق هذا المجال، ونوى أن يلتحق بكلية الزراعة؛ ليطبق ما سمع، وفي هذه الفترة حصل على الثانوية واتَّجه صوب القاهرة ليلتحق بكلية الزراعة بها.

التقى بالإمام البنا في بداية حياته في القاهرة لقاءً عابرًا وصفه بقوله: “لما سافرت القاهرة كان برفقتي صديقي محمد جمال الدين نوح، وبعد وصولنا قال لي: إن أبي أوصاني أن أزور صديقًا له اسمه حسن البنا، وهو يسكن في 5 حارة الروم بالغورية، وانطلقنا نبحث عن العنوان في أحشاء حي عريق حتى وصلنا، فرأينا بيتًا على الطراز العتيق، وسألنا عن الأستاذ حسن البنا، وصعدنا حتى دخلنا غرفةً كبيرةً مثبتًا على جدرانها رفوف خشبية مملوءة بالكتب والمجلدات، ورأينا مكتبًا يجلس عليه شابٌّ ذو لحية، يرتدي بدلة وعلى رأسه طربوش، وكان منظرًا عجيبًا؛ حيث تعوَّدنا أن يكون صاحب اللحية شيخًا أزهريًّا، فلما رأى منا الحيرة سارع بالترحيب بنا، وتحدَّث معنا عما جاء بنا، ثم شجَّعَنا على مواصلة الدراسة، وألحَّ علينا أن ننزل في ضيافته فشكرناه، فطلب منا أن نتصل به في كل ما يلزمنا ثم انصرفنا، غير أن هيئة الرجل ظلت راسخةً في ذهني، كما لفت نظري أيضًا لافتةٌ على وجه البيت كتب عليها (الإخوان المسلمون)”.

التحق صديقه محمد جمال الدين بكلية العلوم، والتحق هو بكلية الزراعة؛ بسبب تعلُّقه بما قاله الشيخ طنطاوي جوهري.

على طريق الدعوة

التحق بكلية الزراعة عام 1935- 1936م، وكانت البلاد تموج بالأحداث الجسام؛ حيث أعقبت فترة إقصاء إسماعيل صدقي عن الوزارة، والتي أُلغي فيها دستور 1923م وجاء بدستور 1930م المستبدّ، وجاءت بعده حكومة الوفد، والتي عقدت مع الإنجليز معاهدة 1936م، ولم تكن معاهدةً في صالح البلاد.

سكن محمود عبد الحليم في الجيزة، وكان يصلي الجمعة في مسجد الرفاعي، فكان به الشيخ محمود علي محمد، وكان شيخًا مفوَّهًا، كما كان في هذا المسجد أحدُ الشباب يوزِّع مجلة الإخوان المسلمون، ويصف هذا الشعور بقوله: “فكنت أنتهز فرصة ركوبي الأتوبيس وأتصفَّح المجلة، وأول ما لفت نظري في هذه المجلة الغلاف الخاص بها؛ فعليه صورةٌ للكرة الأرضية، وكان هناك علَمٌ مكتوب عليه (إنما المؤمنون إخوة)، وتمسك بالعلَم قبضة يد قوية كُتب تحتها (الإخوان المسلمون)، وقد لفت نظري أن هذه المجلة وهذا الرمز نتوق إليه ونريده، وسألت نفسي: من هؤلاء؟.. أريد أن أعرف، وطويت الصفحة ووجدت في صفحة أخرى “أكلشيهًا” كبيرًا مكتوبًا فيه “عقيدتي”، كل باب مكتوب عليه “أعتقد كذا، وأتعهَّد بكذا”، فكنت أريد أن أعرف من الذين يتعهدون؟ حيث كان أول مرة أقابل قومًا يعتقدون ويتعهدون بالعمل، بعد ذلك عرفت أن كلام الإخوان هو الذي أحتاجه”.

ساعده على المعرفة أيضًا زميله إسماعيل الخبيري، الذي طاف على كل الأحزاب والجمعيات ليتعرَّف عليها، وأخيرًا عاد وهو مقتنع بفكر ومنهج الإخوان المسلمين، واقتنع به أيضًا الأستاذ محمود، فسارع إليهم.

في هذا الأثناء اندلعت مظاهرات كوبري عباس عام 1936م، فشارك فيها، والتي كانت معاونةً على ترسيخ فكرة العمل للإسلام، وكان أول من زاره من الإخوان عبد الحكيم عابدين- وكان طالبًا في كلية الآداب، ثم أصبح بعد ذلك السكرتير العام للإخوان المسلمين- ثم في اليوم التالي توجَّه إلى المركز العام، وتعرَّف على الإمام البنا، وأصبح من القلائل الذين اعتمد عليهم الإمام البنا، ومما يدل على ذلك أنه كان أحد منظِّمي المؤتمر السادس، والذي عُقد في 11 من ذي الحجة 1359ه= الموافق 9 من يناير 1941 بدار الإخوان بالحلمية؛ حيث انعقد هذا المؤتمر بعد عامين من انعقاد المؤتمر الخامس، في وقتٍ كانت الأحكام العرفية قد فُرضت على البلاد؛ بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، والتي استمرت حتى عام 1945م، ولقد ضغط الإنجليز على الحكومة لمنع الإخوان من إقامة المؤتمر في هذا الوقت.

ولقد ذكر الأستاذ جمعة أمين ذلك بقوله: “وقد تألفت لجنة المؤتمر من:

  • الأستاذ أحمد أفندي السكري، وكيل عام الإخوان المسلمين (رئيسًا للجنة).
  • الأستاذ محمود عبد الحليم أفندي (وكيلاً للجنة).
  • الأستاذ عبد الحكيم عابدين (سكرتير اللجنة).
  • الأستاذ جمال الدين عامر أفندي (سكرتيرًا مساعدًا).
  • الأستاذ محمد بسيوني المحامي الأهلي (أمينًا للصندوق).
  • الأستاذ محمد خضري المحامي الأهلي (مراقبًا للنظام).
  • الدكتور إبراهيم حسن (طبيبًا للمؤتمر).

ويساعد حضراتهم كثيرٌ من إخوان القاهرة والأقاليم والجوالة، وتحدَّث الأستاذ السكري، ثم اللواء محمد صالح حرب باشا- الرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمين- وغيرهم من الخطباء، ثم ألقى الإمام البنا كلمته.

وقد أصدر المركز العام نصَّ المؤتمر مشتملاً على كلمة الإمام البنا وقرارات المؤتمرات في كتيبٍ في ذي الحجة 1359ه= الموافق يناير 1941م”.

ولقد كتب عن المؤتمر الخامس قوله: “مقالةٌ لرجلٍ من كبار من مارسوا الدعوات الإسلامية وخاضوا غمراتها، قالها لنا يوم تناجينا في دعوتنا: “إن هذه الدعوة لا تقوم إلا على أكتاف عرب”، قالها وذهب، وظللت أقلِّب هذه الكلمة على كل وجه، وأفتش في ثناياها عما يجلي لي مقصده..

وأخيرًا عرفت ما كان يقصد إليه، واقتنعت بأن “عرب” هذه ليست علمًا على من نشأ في جزيرة العرب، وإنما هي كلمة رمزية إلى مجموع خصالٍ قويةٍ ساميةٍ، لا بد من أن تتوفَّر فيمن تصدَّوا لهذه الدعوة إذا كان الله- عز وجل- قد كتب لها النجاح، نعم لا بد من أن يكتسبوها وإن اقتضاهم ما اقتضاهم، وإن كانت من باب المصادفة قد توفَّر معظمها طبيعةً لسكان جزيرة العرب.

فيا أيها الذين لم تفهموا من دعوتنا ما سمعتم الآن فذهبتم تترفَّهون وتترفون، وتلعبون مع اللاعبين، وتمرحون مع اللاهين، ثم تنظرون إلى أنفسكم فتظنون أنكم جنود الإخوان المسلمين الأماثل.. اعلموا أن ذلك خداعٌ تخادعون به أنفسكم، وختْل قد غرّركم به، لا تقيسوا أنفسكم بمن حولكم من الناس فتُفتنوا، وإنما قيسوا أنفسكم بمن تصدَّوا لهذا الأمر من قبلكم.

ليت شعري، هل منا من يقف منهم مائتان في غير كامل عُدَّة أمام بضعة آلاف من الطليان كاملي العُدَّة وقد حاصروا المائتين، ومنعوا منهم الإمداد، فيجالد هؤلاء الأمجاد حتى ينجو منهم ثمانون، ويقتلون من الطليان ألفًا وخمسمائة، منهم ثمانية وعشرون ضابطًا وجنرالاً، ويصاب عدة ضباط منهم بالجنون من هول ما رأوا من جنود الله.. يوم تكونون كأمثال هؤلاء ارفعوا عقائركم وادَّعوا أنكم إخوان مسلمون”.

نشط وسط زملائه الطلبة يبلِّغهم الدعوة، واستطاع أن ينشر الفكرة الإسلامية، ويغيِّر معالم الكلية؛ حيث أوجد بها مسجدًا للصلاة، وحثَّ الطلبة على ارتياده، ونجحت المحاولة، ويقول في ذلك: “من البدهي أن تكون الخطوة الأولى لدعوةٍ إسلاميةٍ أن توجِد المسجدَ الذي هو رمز الإسلام وقاعدته التي تنبعث منها أشعته فتضيء ما حولها، ولا ننكر أنه كان في بعض الكليات مصليات لأداء الصلاة، لكنها كانت في أماكن حقيرة أنشأها عادةً السعاة والفرَّاشون، وكان الطلبة الذين يريدون تأدية الصلاة يستنكفون أن يؤدوها في هذه الأماكن لحقارتها وقذارتها من ناحية، ولعدم وجود أماكن للوضوء من ناحية أخرى، ومن هنا نشأ ما نطلق عليه معركة المساجد، وقد نشأت هذه المعارك في أكثر الكليات في خلال هذا العام، لكن أشدَّ هذه المعارك إثارةً ما كان في كليتَيْ الزراعة والآداب”.

الحكومة، فعمل أول ما عمل مشروع ألبان في “مغاغة”، غير أن المشروع فشل، حتى أعلنت وزارة المالية عن طلب فارزين للقطن المصري، فاستشار الإمام البنا فأشار عليه بأن يتقدَّم لهذه الوظيفة، وفعلاً تم تعيينه في مصلحة القطن بدمنهور؛ حيث ترك فيها بصماتٍ عظيمةً، نُقل إلى “محلج فوة”، غير أنه عانى في هذا العمل كثيرًا؛ بسبب عدم تورُّع أصحابه عن الكسب الحرام، وبالصبر والمصابرة والدعوة بالحسنى استطاع أن يغيِّرهم.

ويذكر الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد ذلك بقوله: “وكان الناس يعجبون لهؤلاء الشباب الدعاة المتطوعين للدعوة إلى الله، ويتأثَّرون بهم؛ لما يلمسون من حماستهم وإخلاصهم”، وقد نجحت هذه البعثات- بحمد الله- في مهمتها إلى حدٍّ كبيرٍ، وعرف الناس من خلالها أن الإخوان قومٌ عمليون، وليسوا مجرد جمعية خيرية مهمتها الوعظ والإرشاد، وأذكر في هذه المناسبة أن الأخ محمود عبد الحليم عُيِّن في “فوة” في إحدى الإجازات، وترك فيها أثرًا عميقًا، وزاد فيها عدد الإخوان والمشتركين في المجلة، فقلت له: لقد أضفت إلى “فوة” نقطةً بجهادك فيها، وجعلتها “قوة” لا “فوة”.

كما أنه نشر الدعوة في قرية شمشيرة- وهي قرية والد الإمام البنا- وظل بها حتى عام 1946م، وهو العام الذي تزوَّج فيه، غير أن مؤامرات رؤسائه لم تكفّ، فصدر قرار بنقله إلى ديروط بأسيوط، ونشط بالدعوة هناك حتى أصبح مندوبَ مكتب الإرشاد في المنطقة الثالثة عشرة للإخوان المسلمين (منطقة المنيا)!!.

ثم نُقل لدمنهور ثانيةً، ولقد كان أحدَ الذين حضروا أول معسكر للإخوان في الدخيلة في الفترة من 27 جمادى الأولى 1357هـ= الموافق 25 يوليو 1938م حتى 29 جمادى الآخرة 1357هـ= الموافق 25 أغسطس 1938م.

النظام الخاص

أنشئ النظام الخاص عام 1940م بهدف:

1- محاربة المحتل الإنجليزي داخل القطر المصري.

2- التصدي للمخطط الصهيوني اليهودي لاحتلال فلسطين.

فقد دعا الإمام البنا خمسةً من الإخوان، وهم: صالح عشماوي، وحسين كمال الدين، وحامد شريت، وعبد العزيز أحمد، ومحمود عبد الحليم، وعهِد إليهم بإنشاء النظام الخاص وتدريبه، وترتيب القيادة؛ بحيث يكون صالح عشماوي الأول، ويليه كمال الدين حسين، وقد وضعوا برنامجًا للدراسة داخل النظام، مثل:

1- دراسة عميقة ومستفيضة للجهاد في الإسلام من خلال القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي.

2- التدريب على الأعمال العسكرية.

3- السمع والطاعة في المنشط والمكره فيما يوافق تعاليم القرآن والسنة.

وأصبح محمود عبد الحليم مسئولاً تنفيذيًّا عن هذا النظام، غير أنه ترك هذه المسئولية بعد أن عهد إلى عبد الرحمن السندي بها (بعد أن استشار إخوانه)؛ بسبب انتقاله للعمل في دمنهور في 194116/6/م، وقد أصبح النظام الخاص في ثلاثة محاور:

1- محور مدني: وكان تحت مسئولية عبد الرحمن السندي.

2- ثم تكوَّن نظام خاص من رجال الشرطة، وكان تحت مسئولية الأستاذ صلاح شادي.

3- نظام خاص داخل الجيش: وكان تحت مسئولية الصاغ محمود لبيب، ويعاونه عبد المنعم عبد الرؤوف، وكان لهذا النظام دورٌ في حرب فلسطين.

ظل محمود عبد الحليم أحد قادة الدعوة، حتى صدر قرار بحلِّها في 8 ديسمبر 1948م ومصادرة أملاكها واعتقال رجالها، فكان أحد الذين اعتُقلوا، حتى أفرج عنه مع إخوانه بعد إقالة وزارة إبراهيم عبد الهادي، وعمل مع إخوانه على عودة شرعية الجماعة، وتم ذلك، وافتُتح المركز العام وانتُخب المستشار الهضيبي مرشدًا عامًّا للإخوان المسلمين في 17 أكتوبر 1951م.

وظل محمود عبد الحليم في الهيئة التأسيسية، وقد حضر كل التطورات التي مرَّت بالجماعة والأزمات في هذه الفترة حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952م، وشارك فيها الإخوان بتأمين المنشآت، واستقرت الثورة، غير أن قادتها تنصلوا للإخوان المسلمين وعملوا على تقليصها، فما كان من عبد الناصر إلا أن أصدر قرارًا بحل الإخوان المسلمين، ثم أتبعه باعتقال قادتها يناير 1954م!!.

محن

في 15 يناير 1954م، اعتُقل محمود عبد الحليم من مقر عمله بمحلج القناطر الخيرية، وحُبس في السجن الحربي، وبعد أسبوع نُقل إلى معتقل العامرية بالإسكندرية، وظل بالمعتقل حتى أفرج عنه مع إخوانه في مارس من نفس العام بعد المظاهرات التي قام بها الإخوان لعودة الديمقراطية والحريات.

بعد خروجه من المعتقل صدر قرارٌ بنقله من مصلحة القطن إلى مصلحة الأموال المقررة بقنا، وأطلع المرشد العام بمخطط عبد الناصر بنقله للإخوان في الأماكن البعيدة، ثم سافر لقنا في أغسطس، وهناك تعرَّف على إخوان قنا، ومع نفيه لهذا المكان عمل عبد الناصر على وضع العقبات أمامه في كل شئونه؛ لما يدركه عنه من حبٍّ للدعوة وللإخوان!!.

عاد للقاهرة في إجازة ليقوم بمهمة اتصال مع الصاغ أحمد طعيمة والصاغ إبراهيم الطحاوي (مستشاري عبد الناصر) حول الأزمة والتوتر الواقع بين الإخوان ورجال الثورة، كما التقى مع عبد الناصر قبل اجتماع الهيئة التأسيسية، والتي اجتمعت في 24 سبتمبر 1954م، غير أن حالة التوتر ظلت قائمةً حتى حدثت حادثة المنشية في 195426/10/م، وقُبض عليه في جرجا حيث مكان عمله، وسيق إلى السجن الحربي؛ حيث ذاق من العذاب ألوانًا على أيدي رجال الثورة حتى أفرج عنه في 26 يونيو 1956م، وتسلَّم عمله مرةً أخرى في الإسكندرية، غير أنه ظل مراقبًا طيلة السنين حتى هبَّ عام 1965م بما يحمله بين جنباته من محن، فاعتُقل وزُجَّ به في غياهب سجن أبو زعبل، ثم نُقل إلى سجن مزرعة طرة، غير أنه لم يطل به المقام؛ حيث رأى رؤيا قبل الفجر أنه تسلَّم ورقةً مكتوبًا فيها تاريخ الإفراج عنه في 27 نوفمبر أو ديسمبر 1965م، وتحققت الرؤيا، وأفرج عنه في 27 ديسمبر 1965م، غير أنه بعد خروجه عاش في سجنٍ أكبر؛ حيث الرقابة الشديدة والمتابعة من رجال المباحث!!.

رحيل

بعد خروجه وبعد الإفراج عن جميع الإخوان في عهد السادات، نشط مع إخوانه في العمل لدين الله، وباشر العمل الدعوي وسط مجتمعه، وأخذ في تأليف أشهر الكُتب التي تحدَّثت عن تاريخ جماعة الإخوان المسلمين تحت عنوان “الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ”، وظل وسط إخوانه حتى تُوفِّي في يوليو 1999م.

رابط الكتاب :

http://bit.ly/2cPFsVU

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“عمر التلمساني” مجدد شباب الجماعة ومُطلق الدعوة إلى العالمية

في مثل هذا اليوم 22 مايو 1986، أي قبل 33 سنة، ودّعت الأمة عمر التلمساني، ...